حسن الأمين

105

مستدركات أعيان الشيعة

الشيعي المتعصب . من هنا اكتفى بمراسلة الشيخ جعفر عم الشيخ جنيد الذي كان حكيما مجربا وفي نفس الوقت طالبا للجاه ، ولم يكن راضيا عن انتخاب الشيخ إبراهيم مرشدا للطريقة الصفوية ، فطلب اليه الاسراع في طرد ابن أخيه من أردبيل . وقد كان هذا الحاكم التركماني مطلعا تماما على الخلافات الموجودة بين الشيخ جنيد وعمه الشيخ جعفر ، ذلك لأنه كان قد زوج احدى بناته للسيد قاسم خان ثاني أبناء الشيخ جعفر ، ولم يتردد الأخير في تلبية الطلب ، خصوصا وان هذا العمل سيعود عليه بإدارة خانقاه الشيخ صفي وبقعته . فاخذ يكثر من تهديد الشيخ جنيد بأنه في حالة تلكؤه في الخروج من أردبيل فان قبيلة القرة قويونلو ربما شنت عليه هجوما مسلحا . ومن جانب آخر كان جهان شاه يبعث إلى أردبيل برسل تترى لاستعجال تنفيذ الأمر وحينئذ اضطر الشيخ جنيد إلى مغادرة أردبيل في جماعة من اتباعه الأوفياء . وأغلب الظن ان هذا الأمر كان في عام 851 أو 852 ه‍ . ولا يمكن الجزم بالطريق التي سلكها الشيخ جنيد بعد طرده من أردبيل ، ولكن أقوى اثر استطعنا الحصول عليه يشير إلى توجهه صوب آسيا الصغرى الخاضعة للحكم العثماني . ومن المستبعد ان يكون قد سلك في رحلته تلك طريق تبريز التي كانت عاصمة لعدوه اللدود جهان شاه ، ومن ثم يمكن القول بأنه سلك طريق قره باغ وارمينيا في طريقه إلى الأناضول . ولم تكن إقامة الشيخ جنيد في الأناضول وسوريا بين عام 853 و 860 هعديمة التأثير على أوضاع ذلك العصر ، ولا يمكن تجاهل أهميتها من حيث التاريخ الثقافي لها . خلال إقامته في الأناضول وسوريا ، التقى باوزون حسن آق آق قويونلو حاكم ديار بكر القوي ، فمكث في ضيافته ثلاث سنوات . ثم تزوج من أخته ( خديجة بيگم ) ، واستجازه في إرسال خلفاء له إلى عدة مناطق لكسب اتباع جدد ، فأجازه . وحين استولى اوزون حسن على گرجستان عام 863 ه‍ ، عاد الشيخ جنيد إلى أردبيل . وكان خبر زواجه من أخت زعيم الآق قويونلو قد شاع في الآفاق مما زاد في شانه وقوة شوكته . واعتبر جهان شاه الشيخ جنيد بعد ارتباطه باوزون حسن منافسا خطيرا ، فاخذ يحشد الجند لمواجهته . من هنا اضطر الشيخ جنيد مرة أخرى لمغادرة أردبيل بعد مدة قصيرة ، وأوكل إدارة بقعة وخانقاه أردبيل لعمه الشيخ جعفر ، وبادر إلى إرسال الرسل لاستقدام جميع أنصاره ومريديه اليه ، ومكث هو خارج المدينة في انتظار قدومهم ، حتى إذا اجتمع شملهم وتكون عنده جيش مسلح تكون من آلاف الصوفيين ، تحرك في خريف عام 864 هنحو الشمال ، قاصدا جهاد الشراكسة . واستطاع اجتياز ارض شيروان دون عقبات حتى وصل ( طبرسران ) فأغار عليها . ثم انكفأ عن ارض القفقاس ، واجتاز شيروان ثم حط رحاله في قره باغ لاعتدال مناخها فامضى شتاءه فيها . وفي شيروان أصيب حاكمها السلطان خليل بالذعر من حملات الشيخ جنيد ، والقي في روعه انه ينوي الهجوم على ولايته ، فبادر إلى إرسال وفد اليه محملا بالهدايا . وإذا كان لدى السلطان خليل ابسط تردد في مهاجمة رجل دين ، فان هذا التردد ارتفع بعد وصول رسالة الشيخ جعفر طالب الجاه المحتال . حيث ذكر فيها ان ابن أخيه لا ولاية له ، وانما ينبغي الاسراع في القضاء عليه لتمرده وعصيانه . وما ان وصلت الرسالة ، حتى طفق ملك شيروان يحشد قواته ليهجم بها في فصل الربيع ، وامده أحد التابعين له وهو حاكم طبرسران أبو المعصوم خان بقوة ، وامده جهان شاه من تبريز بفوج من التركمان وقبل ان تقع الحرب أرسل السلطان خليل أحد الأمراء إلى الشيخ جنيد يطلب منه الرحيل عن شيروان على الفور ، وبدلا من الرد على هذا الطلب قام الشيخ جنيد بشنق الرسول . وعندئذ تحرك السلطان خليل من عاصمته شماخي . فحاول الشيخ الهرب ، ولكنه وقع في الشباك في وادي قره سو الواقع غربي سلسلة جبال ألبرز في القفقاس ودارت معركة بين الطرفين ، أصاب الشيخ خلالها سهم فأهلكه . ولم يتوان الصوفيون عن المقاومة والتضحية البطولية ، ولكنهم حين رأوا سقوط شيخهم ومرشدهم لاذوا بالفرار ، وبعد وفاة الشيخ جنيد ( في جمادى الأولى عام 864 ه‍ ) بشهر ولدت زوجته خديج بيگم ولدا سمي حيدرا . فتعهده اوزون حسن برعايته ، وترعرع في عاصمة الاق قويونلو ، حتى انتصر اوزون حسن في حربه الحاسمة على القره قويونلو ، وأصبحت تبريز منذ ذلك الوقت عاصمة لحكم اوزون حسن . وكان عمر حيدر آنذاك تسع سنوات فذهب إلى أردبيل ليكون فيها خليفة لأبيه . وحضر حيدر بسنيه التسع معارك الاق قويونلو مع ( أبو سعيد ) ، وبعد ان فرغ اوزون حسن من حربه منتصرا ، وغادر صحراء مغان في بادية عام 874 همتوجها إلى أردبيل ، رافقه حيدر في رحلته ، فدخل البقعة المقدسة لعائلته لأول مرة . وكان استقبال الشيخ جعفر لهما وديا رغم سوء ظنه بهما ذلك لأنه لا يجوز المزاح مع زعيم الاق قويونلو . وإذا كان اوزون حسن قد غفل عن الشيخ جعفر بعد مناصرته لجهانشاه ثم لابنه حسن علي ولأبي سعيد فيما بعد فالظاهر أن السبب في ذلك هو استشفاعه بحاكم شندان القوي - وهو گيلاني - وقبول اوزون حسن شفاعته . وخلال هذه الرحلة نصب اوزون حسن حيدرا شيخا ومرشدا للطريقة الصفوية في أردبيل ، إذ كان يتوسم الجدارة فيه رغم صغر سنه . وفي ذي الحجة عام 874 هغادر اوزون حسن مدينة أردبيل ليستقر في عاصمته الجديدة تبريز ، وأوكل امر تربية حيدر إلى الشيخ جعفر ، ومما لا شك فيه انه لم يكن يكن المودة لهذا الصبي ، ففرض عليه القيود الشديدة حتى في أسفاره وتحركاته . ويبدو ان هذه القيمومة القاسية استمرت حتى وفاة الشيخ جعفر التي لا يعرف تاريخها على وجه الدقة . وكانت الفرقة الصفوية قد اعتراها بعض الخمول والتوقف اثر فشل الشيخ جنيد في توسيع نفوذه والإمساك بزمام الحكم ، ولكن هذه الفرقة استعادت ازدهارها مع عودة هذا الابن ، لا سيما وهو يحظى بدعم وتأييد حاكم إيران القوي اوزون حسن . وكان ابرز مظاهر هذا الازدهار هو الإقبال الشديد على أردبيل من قبل أعداد كبيرة من الزوار . وكان الموطن الأساس لهؤلاء الصفويين هو آسيا الصغرى وخصوصا مناطقها الجنوبية مثل قره مان ، وتكة وحميد والشام ( سوريا ) وگيلان وطالش . وبعبارة أخرى المناطق الغربية والجنوبية الغربية لبحر الخزر . وكان الأمر الأهم الذي ساهم في توثيق العلاقة بين الصفوية واوزون حسن أكثر من اي امر آخر وزاد من قوة شوكة الصفويين هو زواج حيدر من كبرى بنات اوزون حسن ، وكان ثمرة هذا الزواج من